الحكم و الأقوال في البوست السابق يحتاج إلي تعريف بكاتبها
محمد عبد الجبار النفري /توفي سنة 965
وجدت هذه المقالة التي تعرف به
تستحق القراءة
كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة
كانت ” نفر” هي نفسها المدينة البابلية “نيبور” التي تقع على نهر الفرات، وكانت مركزاً دينياً مهماً قبل أربعة آلاف سنة وقد تميزت بمعبد آكور الذي يعبد فيه “انليل” سيد الهواء، ومن ثم أصبحت فيما بعد مركزاً للديانة المانوية ثم المسيحية في القرن السابع الميلادي وظلت هذه المدينة العريقة حتى ظهور الإسلام تزخر بآثار تلك الديانات، ولابد للنِّفَّري ( محمد عبد الجبار/توفي سنة 965 ) الذي ولدَّ فيها أن يتأثر بتراثياتها الدينية والفكرية من خلال سيرة غامضة وملتبسة يقول عنه آرثر جون آربري ( محقق كتاب المواقف والمخاطبات/ ترجمة سعيد الغانمي) بان النفري ” شخصية غامضة منتهى الغموض في تاريخ التصوف الإسلامي
، بل نكاد أن نقول بان حياة هذا النفري تتفرد بغرابتها وغربتها عن كل حياة عاشها أهل التصوف، فان كان هؤلاء القوم قد فضلوا الصوف على الحرير واستهانوا بالمال والنفوذ ليخلصوا أنفسهم من ضيق العبودية وهوان المداهنات والتزويرات والتزييفات ليعيشوا سعة الحرية في فضاء الحق والمطلق، فضاء الملكوت الإلهي الذي ينتقل فيه الإنسان من حالة التسافل الى حالة التسامي، إلا أنهم عاشوا غربتهم وسط اجتماعهم يحيلون مرارة الفساد والخواء إلى حلاوة المكابدات والملاء، يستنتج آربري :إذا سلمنا إن النفري كان من أهل “نفر ” أو اتصل بها على نحو ما فقد استلهم من وحي تاريخها الغريب، المنقسم بين مجدها الغابر ووحشيتها الحاضرة، إذ لم تعد توجد سهولها التي كانت تضج بالمسير المنضبط للجيوش الشبحية ولم تعد معابدها مسرحاً لرقصات لا يتذكرها احد، ولم تعد صيحات أهل أسواقها وخفة سكانها تعكر شوارعها الصامتة. وحين كانت النجوم تسطع خفيضة في الليل، ويعيد حزام “أوريون” الوهاج إلى البال أساطير العملاق الذي أوغل في طموحه، كان النفري هذا السائح المتوحد يجد القوة والعزاء في رؤية الله الواحد الحق الذي يعوض حبه عن كل محبوب، كان متخفياً متستراً مشغولاً بقصده الوحيد: لا مقصود إلا الله، كان يتشوق للاتصال بتلك الحقيقة المطلقة والوصول إليها من خلال التخلي عن كل العوالق والعوائق بحيث نسيَّ نفسه وناسه وأرضه إلى درجة النسيان المذهل، لكنه كان يحس بأوجاع الخيبة: “وقال لي إذا كنت كما أُريد فأبكِ على نفسك” وكانت روحه القلقة الهيفاء تتقزز من كل ما هو فاسد وسقيم وليس أمامها إلا أن تتماهى في شئ ما يخلصها من أوجاع التورمات البشرية وانتهاكات السلطات الأرضية ( سلطة الحكم وسلطة الفقه). وجد النفري تماهيه في ” الوقفة” فأصبحت واحدة من أهم كشوفاته الصوفية: ” الوقفة ينبوع العلم يستمد الواقف علمه من تلقاء نفسه، بينما يستمده غير الواقف من غيره/ للوقفة مطلع على كل علم، وليس للعلم عليها مطلع/ الوقفة روح المعرفة، والمعرفة روح الحياة/ الوقفة باب الرؤية، وهي تعتق من رق الحياة والآخرة، إنها نور الله الذي لا يجاوره الظلم/ الوقفة تنفي ما سواها كما ينفي العلم الجهل/ الواقف وحده يجمع بين العلم والحكم، لأنه يرى العلم ولا يروقه الحسن، ولا يروعه الروع/ كل واقف عارف وما كل عارف واقف/ يخبر العارف عن المعرفة ويخبر الواقف عن الله/ لا يستقر الواقف عند شئ حتى يصل الله، فلا يتسع له شئ، ولا ينسجم معه شئ/ يموت جسم الواقف ولا يموت قلبه/ يكاد الواقف إن يفارق حكم البشرية ولا يأتلف مع الزمان والحدثان
إذا كانت “الوقفة” هي خلاصة السياحة النفرية المضنية فانه قد دخلها عبر الحرف وتحمل مسؤولية حمل الأمانة الثقيلة، لان الحرف خزانة اللهالحرف خزانة الله، فمن دخلها فقد حمل الأمانة
الحرف نار الله وأمره وخزانة سره
الحرف حجاب والحجاب حرف
الحرف لا يلج الجهل ولا يستطيعه
الحرف دليل العلم والعلم معدن الحرف
فلنقتبس حرفاً من حرف كما نقتبس ناراً من نار، الحرف ناري، الحرف قدري، الحرف دهري، الحرف خزانة سري
ولكن كانت معضلته الكبرى في تملك الحرف والبحث الذي لا هوادة فيه عن أسرار المعرفة والحكمة ، هذا السلوك الذي يفضي إلى الخراب والانهيار كان النفري قد اختاره عن قصد وهو العارف المتيقن بنتائجه المهلكة والمدمرة ” هلك من ركب وما خاطر” لأنه في نهاية المطاف سيوصل المرء إلى نقطة وعرة ومستحيلة يجد نفسه وحيداً، غريباً، يجابه الدنيا بمفرده، يجابه وساختها واتضاعها وغثاثتها، حين أحس النفري بآلام طريقه وعذاباته، طريق الحق والحقيقة، طريق اللاجدوى – حسب التعبيرات الوجودية – طريق الخسارة واللاثمن او وفق تعبيرات النفري نفسه: ” العابد كالماء يسقي الأرض ولا يأكل من ثمارها. والعارف كالآيات يحث الأذكار ولا يشرب باكاويبها” لذا راح يحذر الناس إن لا يسلكوه، ينصحهم أن يظلوا في عمايتهم وجهلهم ففي كتاب “المواقف” يقول
وقال لي أعدى عدوِّ لك إنما يحاول إخراجك من الجهل لا من العلم
وقال لي اختم عِلمكَ بالجهل وإلا هلكت به
أوقفني في الدلالة وقال لي المعرفةُ بلاءُ الخلْقِ
الجهل عمود الطمأنينة
أفضى به امتلاءه المعرفي لان يقول الشئ ونقيضه أو مايسميه سعيد الغانمي : “استواء الأضداد” وهي فكرة تقوم على نفي التضاد والتثنية كما نجدها في اغلب نصوصه : ” من رآني تساوى عنده الكشف والحجاب ومن لم يرني من وراء الضدين رؤية واحدة لم يرني” وبهذا استطاع أن يخترق حدود التقليد، ويطير محلقاً خارج إطار المعارف المألوفة: ” إذا علمت علماً لا ضَّد له، وجهلت جهلاً لا ضدَّ له، فلست من الأرض ولا من السماء” يقول الغانمي الطيران خارج حدود السماء والأرض هو طيران خارج التقاليد وخارج اللغة معاً، فلحظة استواء الأضداد هي لحظة اندحار اللغة وخذلانها ولحظة تألق انتصارها وتحديها في آنٍ واحد، كان محمد عبد الجبار النفري فراشة تحوم حول النار ولاتهاب الاحتراق أو كما يوصي: ” إذا رأيت النار فقع فيها ولا تهرب فانك إن وقعت فيها انطفت وان هربت منها طلبتك وأحرقتك “. لا احد يعرف كيف عاش ولا كيف مات ذاك المتوتر القلق الغارق في بحر تصوفه، وكما يقول أديب كمال الدين، لم يكن معنياً بالكيفية التي ستخرج فيها أقواله إلى الناس: فلسفة أم شعراً أم فكراً! كان الرجل مهووساً بشطحاته التي هي مزيج عجيب من النقائض النادرة التي تشبه أحيانا الهذيان العميق الذي فيه صفات الكلام الممتع المجدي أو الكلام الذي لا يعطي لقارئه أي خلاصة أو معنى ، اختفى ولم يكلف نفسه حتى عناء جمع مواقفه وخطاباته التي فيها كنز روحي نادر رغم تناقضاتها، فقد ترك أوراقه متناثرة مشوشة مبهمة لأنه لم يكن في هذا العالم بل في عالم آخر
مقالة للأستاذ مهدي النجار
مجلة الحوار المتمدن – العدد 2130/ 15-12-2007
تحياتي
دافنشي
Posted April 17, 2008 by Q8Davinci under شخابيط